غزوة بدر
ها هي ذي أولي المعارك الفاصلة في الإسلام.. معركة "بدر"...
ترامت الأنباء إلي المدينة بأن قافلة ضخمة لقريش تهبط من مشارف الشام عائدة إلي مكة، تحمل لأهلها ثروة طائلة.. ألف بعير محملة بالأموال، يقودها أبو سفيان بن حرب مع رجال لا يزيد عددهم علي الأربعين.. أي خسارة تنزل بالمعتدين من أهل مكة لو أسر المسلمون هذه القافلة؟ خرج أول جيش من جيوش المسلمين.. يقوده محمد بن عبد الله، صلي الله عليه وسلم.. كان عدد الجيش 317 رجلا، ستة وثمانين رجلا من المهاجرين ومائتين وواحدا وثلاثين من الأنصار، وكان بين الأنصار مائة وسبعون من الخزرج، وواحد وستون من الأوس..
وكان جيش المسلمين فقيرا يثير فقره الدهشة، مجهدا يثير إجهاده الإشفاق، ضعيفا بمقاييس البشر.. كان كل ثلاثة من المقاتلين في جيش المسلمين يتناوبون علي بعير واحد يركبونه.. وكانت المسافة بين المدينة وبدر تزيد علي مائتي كيلو متر بطريق القوافل القديم.. وسار هذا الجيش لاعتراض القافلة، فأفلتت القافلة منه... استطاع أبو سفيان أن يغير طريق قافلته وينجو بها، وأرسل إلي مكة يدعو قريشا إلي قتال المسلمين..
وخرج من مكة جيش يضم ألف صنديد من صناديد قريش.. ورغم أن المسلمين خرجوا لغير هذا الجيش، فقد احتملوا التحدي، وساروا للقتال..
قال تعالي في سورة (الأنفال):
(وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَي الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ)...
كان المسلمون، لفقرهم وحاجتهم وظروفهم الاقتصادية القاسية، يودون أن يلتقوا بغير ذات الشوكة، يودون أن يلتقوا بالقافلة الغنية لا الجيش المدجج بالسلاح.. كانوا في حاجة إلي المال لنشر دعوتهم، وأراد الله بوضعهم وجها لوجه أمام جيش الكافرين، أن يقطع دابر الكافرين ويحق الحق..
خرج المسلمون في معركة بدر، تحت تصور أنهم في طريقهم لنزهة حربية تسفر عن ضربة اقتصادية خاطفة تنزل بمكة وتثري المدينة.. فأراد الله أن تكون معركة شاقة تسفر عن تطهير مكة من رءوس الكفر فيها، ولتحتمل المدينة فقرها، فليس الإسلام مغانم، إنما هو مغارم، ليس أخذا وإنما هو عطاء..
ولقد أدرك النبي- كقائد عسكري- أن عليه أن ينبه جيشه إلي أن ما سيلقاه من مشقة وعنت، لا يشبه الأمر اليسير الذي خرج من أجله..
واستشار النبي، صلي الله عليه وسلم الناس...
وتحدث أبو بكر الصديق.. وتحدث عمر.. وتحدث المقداد بن عمرو.. واتفقت أقوالهم علي المضي في القتال.. مهما تكن النتائج أو التضحيات..
وعاد الرسول يقول: أيها الناس.. أشيروا علي.
كان الرسول يقصد الأنصار.. كان يخشي أن يكونوا قد فهموا البيعة بينه وبينهم علي حمايته إذا هوجم في المدينة فقط.. ولقد كانت نصوص البيعة فعلا تؤيد ذلك..
ألم يقولوا له: "يا رسول الله، إنا براء من ذمامك (لسنا مسئولين عنك) حتي تصل إلي ديارنا، فإذا وصلت إلينا، فأنت في ذمتنا".. وكان معظم الجيش من الأنصار.. وأراد الرسول أن يعرف قرار أغلبية الجند قبل بدء المعركة.. وأدرك الأنصار أن الرسول يريد رأي الأنصار.. قال سعد بن عوف: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله.. قال النبي: نعم...
وتحدث الأنصار.. ذهبت مخاوف النبي بعد حديثهم، وأشرق وجهه.. لقد رباهم علي الإسلام، والإسلام لا يعرف نصوص المعاهدات، وإنما يغوص لروحها وعمقها البعيد.. أفهم الأنصار النبي أنهم يؤمنون به ويحبونه ويسمعون له ويطيعون..
قال سعد بن معاذ: امض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك.. فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد..
انتهي الأمر.. وحسمت هذه الكلمات مصير معركة من أخطر معارك الإسلام.
لقد كان شعور الأنصار والمهاجرين في جيش الرسول يختلف تماما عن شعور قوم موسي حين قالوا له:
(فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)...سورة المائدة
كان شعور المسلمين أن الرسول لو أمرهم باجتياز البحر سيرا علي أمواجه لفعلوا وغرقوا وماتوا، ما تخلف منهم رجل واحد..
انتهي الأمر وتأهب المسلمون لخوض المعركة.. وعسكروا في مكان وقع عليه اختيار الرسول..
وقد ترك الله عز وجل رسوله يخطئ في اختيار المكان ليشرع للمسلمين قاعدة مهمة من قواعد القتال، وهي نزول قائد الجيش علي رأي الخبرة..
جاء الحباب بن المنذر إلي رسول الله، صلي الله عليه وسلم، يسأله: أهذا الموقع الذي نعسكر فيه اختيار من الله ورسوله، وليس لنا أن نتقدم عنه ولا نتأخر؟.. أم أن الأمر هو أمر الرأي والحرب والمكيدة؟
قال الرسول: بل هو الرأي والحرب والمكيدة..
قال الحباب: يا رسول الله.. إن هذا ليس بموقع..
واختار الخبير موقعا يشرب فيه المدينة ولا يشرب جيش مكة..
وتحول الجيش إلي الموقع الذي حددته الخبرة العسكرية..
ووصل جيش مكة.. كان عدده يقترب من ألف جندي يواجهون 317 مسلما..
وعسكر جيش قريش في العدوة القصوي من الوادي..
كان جيش الكافرين في بدر يضم سادة قريش وأبطالها وفلذات أكبادها المحاربين..
وكان جيش المسلمين في بدر يضم أقارب وأصهار الجيش العدو.. ولقد قدر الله تعالي أن يلتقي الابن بأبيه.. والأخ بأخيه.. وزوج الابنة بوالد زوجته.. فصلت بينهم المبادئ، فحكمت بينهم السيوف.. انتهي الأمر وشيعت معركة بدر أخوة الدم إلي مثواها الأخير، وأرست قاعدة رئيسية ومهمة هي أخوة العقيدة الإسلامية..
وعلي حين كان جيش المسلمين متماسكا يلتئم جسده علي روح الإسلام، كان جيش الكافرين منشقا علي نفسه، وإن أخفي انشقاقه بادعاء الشجاعة..
وقف عتبة بن ربيعة خطيبا في جيش مكة يدعو إلي الانسحاب قائلا بتحكيم العقل:
- يا معشر قريش.. إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا، ولله لئن أصبتموه، لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه لأنه قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب.. فإن أصابوه فذلك الذي أردتم.. وإن كان غير ذلك ألفاكم سالمتموه..
كانت هذه الكلمات العاقلة الحكيمة أول شرخ في جيش مكة.. إن عددا من الجيش كان مقتنعا بانعدام جدوي المعركة، ولن يكون قتال هؤلاء قتالا حقيقيا.. وأخمدت أصوات السفه هذه الكلمة العاقلة.. واتهم أبو جهل قائلها بالخوف.. وأثار باتهامه حماس القائل، فرجع عن رأيه وقرر قتال المسلمين..
ولقد كان قائد الجيش المهاجم.. وهو أبو جهل.. يعلم أن محمدا لا يكذب.. تروي كتب المؤرخين أن الأخنس بن شريف خلا بأبي جهل في بدر قبل نشوب المعركة وسأله: يا أبا الحكم.. أتري محمدا يكذب؟
قال أبو جهل: كيف يكذب علي الله، وقد كنا نسميه الأمين؟! ولكن إذا اجتمعت في بني عبد مناف السقاية والرفادة والحجابة والمشورة، ثم تكون فيهم النبوة، فأي شيء بقي لنا؟ ليست الحرب تكذيبا للرسول، وإنما هي حماية للمصالح الحاكمة والوضع الاقتصادي.
وهكذا وقف الكافرون يدافعون عن أدني قيم الأرض التي تشترك معهم فيها الدواب، ووقف المسلمون يدافعون عن أرفع قيم الأرض والسماء التي تشترك معهم فيها الملائكة...
وجاء الليل علي الجيشين..
ثلاثمائة جندي مؤمن علي التقريب في مواجهة ألف جندي مشرك..
كل المشركين جاءوا راكبين مسلحين.. وكل ثلاثة مسلمين جاءوا علي دابة..
ثياب المشركين جديدة وسيوفهم مصقولة ودروعهم تلمع، وتسليحهم متفوق وعتادهم هائل، وثياب المسلمين بالية، وسيوفهم قديمة، ودروعهم ليست سابغة.. نظر النبي إلي جيشه فرق قلبه لمرأي الجيش ودعا ربه بقوله: اللهم إنهم جياع فأشبعهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم..
وتسلل النوم إلي الجفون يحمل الراحة للأجساد المتعبة.. وتساقط أثناء الليل مطر خفيف رطب الجو حول المسلمين، وتماسك الرمل تحت أقدامهم، وصارت حركتهم عليه ميسرة، وغسل المطر الخفيف تراب السفر وغبار التعب، وطهر القلوب، وربط عليها بالثقة في نصر لله.
قال تعالي:
(إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَي قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ)...سورة الأنفال
وجاء الصباح علي بدر.. بدأ جيش قريش بالهجوم.. وأمر النبي جيش المسلمين بالدفاع... قال صلي الله عليه وسلم: "إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل، ولا تحملوا عليهم حتي تؤذنوا"..
كان هذا القرار العسكري الحكيم يعني أن يتحصن المسلمون في أماكنهم، لتحميل المشركين عبء الهجوم بخسائره المتوقعة، ونحن نعلم من العلوم العسكرية اليوم، أن المهاجم يحتاج عادة إلي ثلاثة أو أربعة أضعاف العدد الثابت المحصن الذي يهاجمه ليكون هجومه فعالا.. ولقد كان جيش المشركين ثلاثة جنود مقابل كل جندي مسلم.. العدد المطلوب للنصر عند المشركين موجود، وتسليح المشركين أفضل من تسليح المسلمين، وعدد المطايا التي يركبها المشركون هي نفسها عددهم، وثلثا الجيش الإسلامي يحارب علي أقدامه، الموقف في صالح المشركين تماما، والنذر والدلائل كلها تعقد النصر للواء المشركين، غير أن كسب الحروب ليس رهنا بضخامة العدد وتفوق التسليح والقوة الظاهرة.. أحيانا يكسب المعركة عنصر معنوي غير مرئي.. إن روح الجندي المعنوية، وإيمانه بالقضية التي يدافع عنها، ورغبته في إحدي الحسنيين، النصر أو الموت، وتهافته علي الشهادة، وهزيمته لروح الخوف داخله.. هذا كله يمكن أن يحول الجندي إلي مخلوق غير قابل للهزيمة..
قابل للموت.. وإن استعصي علي الهزيمة..
وكذلك كان جيش المسلمين..
انعقد الغبار فوق رءوس المقاتلين.. وبذل المسلمون جهدا فوق طاقة البشر.. وحين التحم الجيشان ونظر النبي، صلي الله عليه وسلم، فرأي جيشه يذوب بعدده القليل وسط السلاح الكافر... عندئذ استغاث النبي ربه:
اللهم نصرك.. اللهم أنجز لي ما وعدتني.
اللهم إن تهلك هذه الجماعة لا تعبد بعدها في الأرض..
تأمل هموم النبي ساعة المعركة تفهم لماذا انتصر جيشه..
إن قائد الجيش الأعلي، محمد بن عبد الله، صلي الله عليه وسلم، خرج يقاتل في سبيل الله.
وها هو ذا الموت يحدق بالمسلمين.. فيم يفكر النبي في هذا الموقف العصيب؟.. إن تفكيره يتعدي الحاضر ويتجاوزه إلي المستقبل، ليتوقف عند شيء واحد.. أن يعبد الله في الأرض: "اللهم إن تهلك هذه الجماعة لا تعبد بعدها في الأرض"..
ليس النبي مشفقا علي هلاك المسلمين وهلاكه، لأنهم سيخسرون الحياة، إنما هو مشفق أعظم الإشفاق، خائف أشد الخوف ألا يعبد الله تعالي بعدها في الأرض.. وكأن الرسول يستغيث به، محاولا تذكير ربه سبحانه وتعالي بما الله أعلم به...
عند هذه الدرجة من درجات التجرد.. تنزل الملائكة يقودها جبريل عليه السلام.
قال تعالي في سورة (الأنفال):
(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفينَ {9} وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَي وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {10})..سورة الأنفال
أغمض النبي لحظة في عريشه الذي يقود منه المعركة ثم انتبه يقول لأبي بكر:
كان نزول الملائكة تثبيتا للمسلمين وبشري لهم، ولم يكن معجزة تعني اشتراك الملائكة في القتال. تؤكد النصوص أن دور الملائكة لم يزد علي دور البشارة والتأييد المعنوي وملء القلوب بالطمأنينة. ونحسب أن الله عز وجل أراد أن يشهد ملائكة الله ملائكة البشروهم يدافعون عن عقيدة التوحيد..وهكذا أوحي الله إلي الملائكة أنه معهم، فليثبتوا الذين آمنوا إذن، وسوف يلقي الحق في القلوب الذين كفروا الرعب فليضرب المسلمون فوق الأعناق والأيدي. ولينتصروا لله.
قال تعالي في سورة (الأنفال):
(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَي الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ {12} ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ {13} ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّار)...
وتساقطت سيوف الإسلام كالمطر علي وجوه الكافرين ورقابهم. وانكسر جيش مكة، وبدأ الرعب يسلم الأقدام للرياح. وانجلت المعركة عن سبعين قتيلا من الكافرين، وسبعين أسيرا منهم، وفرار بقية الجيش..
سقط سادة البغضاء وملوك الظلام في المعركة. سقط أبو جهل قائد الجيش، وأصيبت مكة في أبطالها إصابة قاتلة. ووقف رسول الله صلي الله عليه وسلم علي جثث القتلة من الكافرين بعد أن طرحوا في القليب يقول :يا أهل القليب ،يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام. هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا.
قال المسلمون: يا رسول الله. أتنادي قوما جيفوا؟!
قال: ما أنتم بأعلم لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني.
وانتهي اليوم السابع عشر من رمضان لسنتين خلتا من الهجرة.
مكث النبي صلي الله عليه وسلم ثلاث ليال في بدر.. ثم قفل عائدا إلي المدينة، يسوق أمامه الأسري والغنائم. وحوسب المسلمون حسابا عسيرا علي إبقائهم علي حياة الأسري.
في البدء استشار رسول الله صلي الله عليه وسلم أبا بكر وعمر..
قال أبو بكر: يا رسول الله.، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان. وإني أري أن تأخذ منهم الفدية. فيكون ما أخذناه قوة لنا علي الكفار. وعسي الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدا.
والتفت الرسول إلي عمر بن الخطاب رضي الله تعالي عنه قائلا:
قال الرجل العظيم: والله ما أري ما رأي أبو بكر. ولكن أري أن تمكنني من قريب لي فأضرب عنقه: وتمكن عليا من قريبه فيضرب عنقه. وتمكن حمزة من قريبه فيضرب عنقه.. حتي يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.
كان جيش المدينة وجيش مكة يضمان عائلات تربط بينها القرابة، وشاءت الأقدار العليا أن يقع القتل بين الأخ وأخيه، والابن ووالده.. وكان عمر يريد أن يستمر هذا الحسم ليعلم المشركون أن الإسلام لن يعود إلي المهادنة أو السلاح.
انتهي الأمر ونشبت الحرب في سبيل الله.. وصار حمل السلاح والقتال واجبا لا تردد فيه ولا رجوع عنه.
والتفت النبي إلي المسلمين فوجدهم يميلون إلي رأي أبو بكر، وكان يمثل الأغلبية.. ونزل النبي صلي الله عليه وسلم علي رأي الأغلبية.. وكانت الأغلبية علي الخطأ.. وكان عمر وحده علي الحق..
أدرك عمر ببصيرته كجندي رباه رسول الله صلي الله عليه وسلم، كما أدرك بنظرته الإستراتيجية البعيدة، أن الموقف ليس موقف مفاضلة بين رقاب الأسري وثرواتهم التي يمكن لأهلهم أن يفتدوهم بها.. أدرك أن الموقف يتجاوز هذا بكثير.
هذه أول معركة يخوضها الإسلام، وينبغي علي المسلمين أن يتجردوا فيها من كل الدوافع الإنسانية، باستثناء إلقاء الرعب في قلوب الكافرين.. أي قتلهم جميعا، ليعلم أعداء الله أن الإسلام قد اختار الدم.
ولقد أيد الله تعالي عمر بن الخطار في محكم كتابه، وبكي النبي وبكي أبو بكر حين أدركا خطأهما في اليوم التالي. ودخل عليهما عمر بن الخطاب فرآهما يبكيان، وتساءل: ما الذي يبكي رسول الله صلي الله عليه وسلم وصاحبه في الغار؟
وتلا عليه الرسول تنزيل الحق عز وجل:
(مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَي حَتَّي يُثْخِنَ في الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {67} لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)...سورة الأنفال
تقول الآيتان إن هذا ليس أوان الاحتفاظ بالأسري وافتدائهم، لم يحن الوقت لذلك بعد. لا يصح أن يكون للنبي أسري إلا إذا حارب كثيرا وجاهد كثيرا وقاتل كثيرا وأثخن في الأرض واستقرت دعوته.. أما في بداية الحرب فلا..
كشفت الآياتان عن الهدف من وراء افتداء الأسري صراحة بقول الحق عز وجل:
(تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ)..سورة الأنفال
هذا تفكير ينظر للظروف الحالية الصعبة فحسب، هو تفكير تكتيكي كما نقول بالاصطلاح الحديث، وليس تفكيرا إستراتيجيا.. ثم إن هؤلاء الأسري ليسوا أسري عاديين، وإنما بالاصطلاح الحديث مجرمو حرب عتاة.. ينبغي إزهاق أرواحهم عند التمكن من رقابهم، وليكن ما يكون من ثرائهم أو جاههم.. إن الإسلام لا يعترف بالثراء أو الجاه. لا يعترف الإسلام إلا بالإيمان، ولا يقيم وزنا لما عداه من قيم دنيوية زائلة.
ويمضي النص القرآني فينبه المنتصرين إلي أن خطأهم يستحق عقوبة سامح الله فيها لسبق رحمته وعظيم غفرانه.
(لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)...سورة الأنفال
كان العذاب أقرب إليهم من هذه الشجرة القريبة.. ثم سامح الله وعفا.. اطلع علي أهل بدر فغفر لهم ما تأخر وما تقدم من ذنوبهم. وكذلك كان القرآن يربي المسلمين علي التجرد..
انتهي الأمر وبدأ الإسلام حروبه.. وهي حروب ينبغي أن تتجرد لله عز وجل وحده، وينبغي أن ترتفع علي دواعي اللحظات الصعبة ومقتضيات الحاضر البائس ولسوف يعلم أتباع النبي فيما بعد أن أي ميل من جانبهم لأعراض الدنيا الزائلة، يعني وقوع العقوبة والهزيمة بهم.