العودة للصفحة الرئيسية
الرسول يربى المجتمع الإسلامى
عايشنا رسول الله آنفا وهو يبنى الفرد المسلم، ورأيناه كذلك وهو يقيم الروابط بين الأفراد بالمؤاخاة، ثم وهو يبني المساجد تجتمع فيها جموع المسلمين في الجمعة والجماعة وغيرها، ونريد أن نعايش الرسول صلوات الله عليه وهو يبنى المجتمع بِخَلْقِ روابط بين أفراده وجماعاته ليتألَّف من هؤلاء الأفراد وهذه الجماعات مجتمع متحاب متعاون.
والذى يتتبع أحاديث الرسول وتصرفاته فى هذا المجال يجده قد بذل جهداً كبيراً فى الإرشاد لتكوين مجتمع الأسرة، وهو المجتمع الصغير الذى يتكون من وحداته المجتمع الكبير، وقد عُِنى الرسول بمجتمع الأسرة عناية كبيرة، فحثَّ على الاهتمام باختيار الزوجة الصالحة بقوله "تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس" ثم حثَّ على العناية بالأولاد والعدالة بينهم فى العطاء والمعاملة، وأفاض فى الحديث عن بيان حقوق كل من الزوج والزوجة تجاه الآخر، وأوضح التكافل بين الوالدين والأبناء، وألزم الأبناء برعاية الآباء حتى مع اختلاف الدين، يروى أحمد أن "قتيلة" قدمت إلى ابنتها أسماء بنت أبى بكر، وكان أبو بكر قد طلقها فى الجاهلية، ولما جاء الإسلام لم تدخل "قتيلة" دين الله، فترددت أسماء فى استقبال أمها وقبول هداياها وبعثت إلى رسول الله تسأل عن هذا، فأخبرها الرسول أن تحسن استقبالها وتقبل هداياها، ونزلت فى ذلك الآية الكريمة "لاَ يَنْهَاكُمْ الله عَنِ الذِّينَ لَمْ يُقَاتِلوُكُمْ فِى الدِّينْ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ" (الممتحنة الآية الثامنة).
وفى بناء المجتمع الإسلامى اتجه الرسول اتجاهاً أشمل وأفسح، ورسم خطوطاً لو اتبعها المسلمون لتكوَّن منهم أعظم مجتمع عرفته البشرية، وشملت هذه الخطوط تنظيم الصلة بين الحاكم والمحكوم، وشرح النظام الاقتصادى الذى يبرز التزامات الغنى وحقوق الفقراء، ويؤكد ضرورة تطبيق التشريعات الإسلامية التى حفلت بها فترة المدينة، وبجانب هذه الأسس الكبيرة كان الرسول يتلَّمس الوسائل ليجعل كل إنسان يحس بأنه جزء من هذا المجتمع الإسلامي، وأنَّ عليه أن يعمل لإسعاده ورفع شأنه، وأن الفرد لا يحقق النجاح لنفسه إلا بنجاح مجتمعه.
وقد كان من أهم ما عُنِىَ به الرسول صلوات الله عليه أن يحس المسلم بشمول الأُخُوة بينه وبين جميع المسلمين أخذاً من قوله تعالى " إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ " وهذا هو المعنى الذى اهتم الرسول تمام الاهتمام بتأكيده وشرحه وتكراره فى أحاديث ومناسبات متعددة قال عليه الصلاة والسلام:
- المسلم أخو المسلم لا يُسْلِمُه ولا يَخْذُلُه.
ثم يتجه الرسول لبيان مستلزمات هذه الأخوة، وأن تقويتها فيها خير للجميع، قال عليه السلام:
- المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً. (متفق عليه).
- لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً. (رواه مسلم).
- مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر.
وينتقل الرسول من تصوير الأخوة على هذا النمط إلى صورة أخرى أرفع، هى أن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، قال عليه السلام:
- والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى يُحِب لأخيه ما يُحِب لنفسه (الشيخان).
ثم يصل الرسول إلى القمة عندما ينقل الحب إلى العمل لصالح من أحب، فإذا كان الإسلام ألزم المسلم أن يُحِب أخاه المسلم، فإنَّ عليه رعاية لهذه الأخوة أن يساعده ويعمل لإسعاده، وفى ذلك نجد فيضاً من أحاديث الرسول التى إن وعاها المسلمون واتبعوها حققوا لمجتمعهم أسعد حياة، قال عليه السلام:
- ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هى الحالقة (المهلكة) (رواه أبو داود).
- من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب الآخرة، ومن يسَّر على مُعسر يسَّر الله عليه، ومن ستر مسلماً ستره الله فى الدنيا والآخرة، والله فى عون العبد ما دام العبد فى عون أخيه. (متفق عليه).
- إن شجرة كانت تؤذى المسلمين فجاء رجل فقطعها فدخل الجنة. (رواه مسلم)
- سأل أبو برزة النبى "صلى الله عليه وسلم" أن يعلمه طريقاًً ينتفع به، فقال له عليه السلام: اعزل الأذى عن طريق المسلمين.
- عُرِضَت علىَّ أعمال أمتى حسنها وسيئها، فوجدت من محاسن أعمالها الأذى يُماطُ عن الطريق.
- أن تعدل بين الاثنين صدقة، والكلمة الطيبة صدقة.
- ما من مسلم يغرس غرساً فيأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له صدقة (رواه مسلم).
وهكذا نجد أن أحاديث الرسول اشتملت العمل الصالح الذى يُوجَّه لخدمة واحد بعينه أو يُوجه لخدمة المجموعة بدون نظر للأفراد، وكان الرسول فى قيادة المجتمع قدوة طيبة يباشر هذه الاتجاهات والفضائل، فكان يدعو بعمله بمثل ما يدعو بقوله، مما خلق مجتمعاً متعاطفاً متحاباً، زلزل عروش الباطل وأقام صرح الإسلام فى أقصر فترة عرفها التاريخ.
أخلاق أسلامية يغرسها الرسول
هناك أحاديث شريفة ترتبط بأحداث محددة روينا منها ونحن نتكلم عن الرسول صلوات الله عليه وهو يبنى الفرد المسلم، أو المجتمع الإسلامى، وهناك أحاديث لا نعرف أنها ارتبطت بحادثة معينة وإنما هى ثقافة عامة لجماهير المسلمين، وهى كذلك تغرس فى نفوسهم أخلاق الإسلام فيما يقابله المسلم من شئون.
ونقطة أخرى نقدم بها كلامنا عن الأخلاق الإسلامية، هى أنَّ الإسلام قدّم للمجتمع أخلاقاً لم تكن موجودة من قبل، بل لا يقوى المجتمع البشرى حتى الآن أن يتبنى الأخلاق الإسلامية بكل اتجاهاتها، فقبل الإسلام كانت العدالة والوفاء بالوعد تعد ضعفاً.
فجاء الإسلام وفرض العدالة، بل أوصى بما هو أسمى من العدالة وهو الإحسان.
وقبل الإسلام لم تكن المساواة موجودة، إذ كان العالم منقسماً إلى سادة وعبيد، ومع اختفاء الرِّق فى عصرنا الحاضر فإنَّ المساواة لم تكتمل حتى الآن، فلا يزال هناك فى أرقى البلاد نزعات التفرقة العنصرية ولا يزال فى العالم ظلم ونهب يتضحان من الاستعمار أو بقاياه، ولا يزال هناك جبابرة يخيفون الناس ويسعدون بأنهم مصدر خوف ورعب، وهذا وسواه لأن المجتمع البشرى لم يصل بعد الغاية التى سعى لها الفكر الإسلامى فى مجال الأخلاق.
ما الأخلاق الإسلامية التى قدمها رسول الإسلام وجهد ليغرسها فى المجتمع الإسلامى؟ ذلك ما سنحاول الحديث عنه هنا:
ومن قراءاتى لأحاديث سيدنا رسول الله أستطيع أن أبدأ بأن أُكوِّن من الأحاديث المتناثرة صورة متكاملة لآداب اجتماع من الاجتماعات أو حفل من الحفلات، فإذا كنت مقدماً على اجتماع. فإن الرسول يضع لك إرشاداً عن كل مرحلة من مراحل هذا الاجتماع أو الحفل، من الاستعداد له حتى الانتهاء منه، ومن الواضح أن الرسول لم يذكر هذه الأحاديث بهذا التسلسل، ولكنى استطيع أن أضم الأحاديث بعضها إلى بعض لتشمل هذه الصورة، وبعد ذلك نسجل مجموعة أخرى من الأحاديث عن صور أخرى من الأخلاق الإسلامية.
وأول ما نذكره متصلا ًبالاشتراك فى الاجتماعات أن المسلم إذا كان مقبلا على اجتماع خاص أو عام أن يعد نفسه لذلك بالنظافة، وحُسْنُ السَّمت، وألاَّ يأكل بصلا أو ثوماً أو طعاماً تؤذى رائحته، وفى ذلك يقول عليه السلام:
- بُنِىَ الدين على النظافة، والنظافة من الإيمان.
- من أكل هذه (البصل أو الثوم)، فلا يغشى مجلسنا حتى يزول منه الريح.
- كان رسول الله يكره رائحة العرق فى المسجد.
- إنَّ الله يُحِبُ أن يرى أثر نعمته على عبده.
فإذا طرقت الباب للدخول فسألك أصحاب البيت: من الطارق؟ فلا تقل "أنا" فقط، وهذا ما يحدث فى كثير من الأحوال، بل قل: أنا فلان، فعن جابر قال: أتيت الرسول صلوات الله عليه فدققت الباب، فقال: من ذا؟ فقلت أنا، فقال أنا؟ أنا؟ كأن لا أحد إلا انت. إذا دقَّ أحدكم الباب فسئل: من الطارق؟ فليقل: أنا فلان.
وإذا دخلت إلى مجتمع قليل الأشخاص وقام لك الحاضرون فصافحهم:
فعن أبى الخطاب قال: قلت لأنس: أكانت المصافحة فى أصحاب رسول الله "صلى الله عليه وسلم"؟ قال: نعم.
ولا تنتظر أن يقوم لك الحاضرون، بل قل: السلام عليكم ورحمة الله، وأجلس حيث انتهى بك المجلس، فقد دخل الرسول على جماعة فقاموا له، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة.
وإذا كان اللقاء مع رجل شديد الصلة بالإنسان جاز عناقه وتقبيله، فعن عائشة رضى الله عنها قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة وجاء إلى بيتى واستأذن فاستقبله الرسول وعانقه وقبََّله.
وإذا جلس القادم فينبغى ألا يكون مجلسه فى مكان رجل قام له إلا أن يأذن له هذا الرجل بذلك.
فعن ابن عمر قال أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال:
- لا يقيمن أحدكم رجلاً من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن توسعوا وتفسحوا.
وعلى القادم ألاَّ يُفرق بين اثنين فى مجلس واحد إلا بإذنهما قال عليه السلام: لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين فى مجلس إلا بإذنهما.
وفى تقدير الإنسان للحاضرين ينبغى له أن يلاحظ السن وأقدار الناس، فقال الرسول "صلى الله عليه وسلم": ما أكرم شاب شيخاً لسنه إلا قيَّض الله له من يكرمه عند تقدم سنه. وعن السيدة عائشة قالت: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": أنزلوا الناس منازلهم.
وإذا تكلم الحاضرون فليترك الإنسان ما لا يعنيه فلا يتكلم فيه، قال عليه السلام: من حُسْنِ إسلام المرء تركه ما لا يعنيه (رواه الترمذى).
وإذا كان هناك طعام فإن الرسول يضع آداب تناول الطعام فى أروع صورة، قال عليه الصلاة والسلام:
- كل بيمينك، وكل مما يليك.
- نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع (متفق عليه).
- عن عائشة قالت: أول بدعة حدثت بعد رسول الله، الشبع، ورسول الله لم يشبع قط، وكان طعامه الكفاف.
- وعنها أيضاً قالت: لم يمتلئ جوف النبى شبعاً قط، وكان فى أهله لا يسألهم طعاماً ولا يتشهَّاه، إن أطعموه أَكَل، وما يُقَدَّم له يقبله.
- ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يُقِمْنَ صلبه، فإن كان لابد آكلا، فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفسه.
- إياكم والبِطنة فإنها مكسلة عن العبادة، ومفسدةٌ للجسم، ومؤدية إلى السَّقم، وعليكم بالقصد فى قوتكم، فهو أبعد عن السرف، وأصحُّ للبدن، وأقوى على العبادة.
- لا تميتوا القلب بكثرة الطعام والشراب، فإن القلب كالزرع، يموت إذا كَثُرَ عليه الماء.
بقى بعد ذلك أن نورد مجموعة من الأحاديث عن صور أخرى رائعة من الأخلاق الإسلامية، قال "صلى الله عليه وسلم" فى رجل يخيف الناس فيتقى الناس شره: إن شرَّ الناس من ودعه الناس اتقاء شره.
وكان رسول الله يوصى بالبهائم ويأمر بحسن استعمالها، ومن الأحاديث الشهيرة فى ذلك قوله:
- دخلت امرأة النار فى هرة حبستها، فلا هى أطعمتها وسقتها، ولا هى تركتها تأكل من خشاش الأرض.
- اتقوا الله فى البهائم المعجمة.
- غفر الله لامرأة مذنبة لأنها رأت كلباً يلهث من العطش فقدمت له الماء.
بل كان الرسول يوصى بالأشياء التى لها ارتباط بالإنسان، ومن هناك كان يطلق أسماء طيبة على بعض هذه الأشياء، فكان يسمى قصعته "الغراء" ومرآته "المُدِلَّة".
ويعد الرسول صلوات الله عليه الذين يقضون حوائج الناس بالنجاة من النار فيقول: إنَّ لله تعالى عباداً اختصهم بحوائج الناس، يَفْزَعُ إليهم الناس فى حوائجهم، أولئك هم الآمنون من عذاب الله.
اختلاف الحكم باختلاف الظروف:
ونختم هذه المجموعة من الأحاديث بذكر حديث اختلاف الحكم باختلاف الظروف، فقد روى سلمه بن الأكوع أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال فى عام من الأعوام عن الأضحية: من ضحَّى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفى بيته من أُضْحِيَتِه شيء، فلمَّا كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا فى العام الماضى؟ فأجاب: لا، كلوا وأطعموا وأدخروا، فإن العام الفائت كان بالناس جَهْدٌ، فأردتُ أن تُعينُوا على الجهد. |