الرسول يربى القضاة
اهتم الاسلام بالقضاء اهتماماً كبيراً، فالعدالة في القضاء مزدوجة الفائدة، فيها انصاف للمظلوم لتهدأ نفسه، وفيها تخويف للظالم حتى لا يتكرر ظلمه، وقد وقف الرسول صلوات الله عليه من القضاء موقف الشارح البارع للقرآن الكريم، المُطَبِّق للفكر الإسلامى فى هذا المجال المهم والذى يتابع مواقف الرسول فى مجال تربيته للقضاة يجد أن هذه المواقف شملت القضاء من جميع جوانبه ومراحله، كما توضح ذلك الدراسات التالية:
المسجد وقدسية القضاء:
وأول موقف يلحظه الباحث، أن الرسول اتخذ المسجد مكاناً للقضاء، واتخاذ المسجد مكاناً للقضاء يحمل معنى أشار له ابن القيم، وهو قدسية القضاء، فما دام القضاء يعقد في بيت الله فإنَّ قدسيته تصبح واضحة، وإذا كان القضاء قد عُقِدَ بعد ذلك فى أمكنة أخرى، واتخذت له قاعات خاصة فقد انسحبت القدسية إلى كل مكان يقام فيه، وذلك ضماناً للعدالة وإحساساً بالمهمة الكبرى التى يزاولها القاضى.
العلنية:
وانعقاد جلسة القضاء فى المسجد وضع أساساً ضرورياً لهذه الجلسة هو "العلنية" أى أن تكون جلسة القضاء مفتوحة للجميع، ويمكن لأى فرد أن يدخل ساحة المسجد ويتجه إلى حيث يكون مجلس القاضى، وحضور الجماهير هذه الجلسة سيكون نوعاً من التعليم والتدريب من جانب، وسيضمن من جانب آخر عدالة الحُكم، لأن الجماهير ستكون بمثابة المراقب الذى يحس بقدر التهمة، ومدى الأدلة، ونوع الحكم.
ضرورة العلم للقاضي:
وبعد الحديث عن مكان التقاضى نتابع الرسول صلوات الله عليه وهو يبرز لنا أهم شروط القاضى والتزاماته، ولعل أول شرط نقتبسه من كلام الرسول هو شرط العلم الذى لا يجلس الإنسان مجلس القاضى بدونه، يقول عليه السلام:
القضاة ثلاثة: قاض فى الجنة وقاضيان فى النار، قاض عرف الحق فقضى به فهو فى الجنة، وقاض عرض الحق فقضى بخلافه فهو فى النار، وقاضى قضى على جهل فهو فى النار (رواه أبو داود) فالجزء الأخير من الحديث يقرر أن القاضى الجاهل بالأحكام يدفع للنار وأن أصاب فى قضائه، لأن إصابته جاءت مصادفة، والقاضى لابد أن يكون على درجة كافية من العلم ولا تتحكم المصادفة فى أحكامه.
العدالة:
يقول عليه السلام:القضاة ثلاثة: قاض فى الجنة وقاضيان فى النار، قاض عرف الحق فقضى به فهو فى الجنة، وقاض عرض الحق فقضى بخلافه فهو فى النار، وقاضى قضى على جهل فهو فى النار (رواه أبو داود) ،ونستمر مع هذا الحديث الشريف فنرى جُزأَه الأوسط يقرر ضرورة العدالة، ويراها من أبرز شروط القاضى، فالقاضى، الذى عرف الحق وقضى بسواه يدفع به إلى النار مع القاضى الجاهل، لأنه لم ينتفع بما عرف ولم يُؤَد حق الله، ويتكرر هذا المعنى فى حديث آخر رواه البيهقى ونصه: إذا جلس القاضى فى مكانه هبط عليه ملكان يُسَدِدَانه ويوفقانه ويرشدانه، ما لم يَجُر، فإن جار عرجاً وتركاه، وهكذا نجد عون الله مع القاضى الذى يتجه للعدالة، أما الذى يتجه للجَوْر والظلم فَيَكِلُهُ الله لنفسه، والويل كل الويل لمن لا يكون معه عون الله وتوفيقه.
البعد عن الرشوة:
وهناك خصلة يبرزها الرسول للحكام بوجه عام وللقضاة بوجه خاص، تلك هى البعد عن شبهات الرِّشوة والهدايا، يقوله "صلى الله عليه وسلم": ما فشت الرشوة فى قوم إلا أُخِذُوا بالرعب، وَيُعَدُ القاضى من أوَّل العمال الذين يَحْرُمُ عليهم أى شيء يشكك أن يُؤَثِّر فى عدالتهم، حتى إن القضاة المسلمين كانوا يكرهون أن يتخذوا أصدقاء يُكثرون التردد على منازلهم، إذا قد يتوهم الناس أن هذا الذى يتردد على بيت القاضى له عنده منزلة قد تُتَّخذ أساس استغلالٍ غير مشروع.
التسوية بين المتخاصمين وسماعُ طَرَفَى الخصومة:
وتنتقل بنا أحاديث الرسول إلي نقطة أخرى مهمة، هى التسوية بين المتخاصمين فى مجلس الحكم، وفى هذا الصدد يروى أبو داود عن عبد الله بن الزبير أن الرسول "صلى الله عليه وسلم" قضى أن الخصمين يقعدان بين يدى القاضى، ولم يَكْتَفِ الرسول بالمساواة فى المجلس بل ألزم القاضى أن يُسوِّى بين الخصمين فى نقاط دقيقة نراها فى قوله"صلى الله عليه وسلم": سَوِّ بين الخصمين فى لَحْظِكَ وَلَفْظِكَ(أى فى نظرتك وكلماتك).
وبعد الجِلسة والمساواة فيها، تجئ إرشادات الرسول حول ضرورة سماع طرفى الخصومة قبل الحكم، وهو فى ذلك يقول: إذا جلس الخصمان بين يديك فلا تقض حتى تسمع كلام كل منهما، فإنه أحرى أن يتبين لك وجه الحق.
وعند سماع الطرفين ينبه الرسول إلى موضوع خطير هو إمكان أن يكون أحد الطرفين فصيحاً، وأن يكون الآخر ضعيف التعبير مما قد يؤثر على القاضى، وفى ذلك يقول المعلم العظيم: أنكم تختصمون إلىَّ وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم يكون أبلغ بحجته من الآخر، وإنما أقضى بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حقِّ أخيه شيئاً فلا يأخذه. فإنما ذلك قطعة من النار يأتى بها فى عنقه يوم القيامة.
وَيُرْوَى فى هذا المجال أن رجلين اختلفا فى ميراث وتقاضيا أمام الرسول، فقال لهما هذا الحديث، فخاف كلٌّ منهما أن ينال من صاحبه أكثر من حقه، فقال كل منهما للآخر: تركت حقى لك، فقال الرسول لهما: أما الآن فقوما واقتسما وتوخَّيا (اقصدا) الحق، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه (أى يسامحه)
الأدلة:
وبعد سماع الطرفين على النحو السابق يجئ دور الأدلة، ويوضح الرسول أن البَينَّة (الدليل أو الشهود) على من ادَّعى واليمين على من أنكر، وقد طلب الرسول البينة مرة من مُدَّع فأجاب هذا: ما عندى شهود فالعمل الذى أشكو منه لم يحضره أحد معناً. فقال الرسول إذن اليمين على صاحبك.
فقبل المُدعى هذا، ولكن الرسول ذكَّر المنكر قبل أن يُقْسِم بأن "من حلف يميناً يَقْتَطِعُ بها مال امرئ بغير حق جاء يوم القيامة وهذا الحق معلَّقٌ فى رقبته" فخاف الرجل ولم يحلف اليمين، وترك ما اختلفا عليه للمدعى.
الحكم وأسسه:
وبعد سماع قول الطرفين وسماع الشهود أو اليمين يجئ دور الحُكْم الذى يَنْبَنِى على النص أو على الاجتهاد، وقد وضع الرسول أسس التدرج فى ذلك فى حديثه مع معاذ بن جبل عندما اختاره ليرسله لليمن داعية وقاضياً، وخلاصتها أن القاضى يَتْبَعُ كلام الله، فإن لم يجد فيه نصاً يساعده اتبع كلام رسول الله، فإن لم يجد حديثاً يساعده اجتهد رأيه فى حدود الإطار الإسلامى الشامل، وعندما قال مُعاذ للرسول هذا القول فرح الرسول، قال: الحمد لله الذى وَفَّقَ رسولَ رسولِ الله لما يُرضِى الله ورسوله.
الاجتهاد وقدره فى الإسلام:
ومن روعة الإسلام أن المجتهد عن علم يثاب على اجتهاده ومحاولته حتى وإن أخطأ، وفى ذلك يقول الرسول عليه الصلاة والسلام، إذا اجتهد القاضى فأصاب فله أجران، وأن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد.
ومن تقدير الاجتهاد ما رُوِى أن رجلا جاء يشكو إلى عمر من أمر، فأحاله عمر إلى على بن أبى طالب، وقضى على فى المسألة برأيه إذ لم يكن هناك نصٌ يلجأ له، وبعد فترة التقى عمر بالرجل الشاكى فسأله عمر: ماذا فعل علىٌّ فى شكواك؟ فأخبره الرجل، فقال عمر: لو كنت أنا الذى قضيت لقضيت بكذا.
وكان رأى عمر فى صالح الرجل، فصاح به الرجل قائلاً: وما يمنعك والأمر لك؟ قال عمر: وكيف أعرف أنَّ رأيى أفضل من رأى علىّ؟
ولم يغير عمر الحُكْم الذى قضى به علىّ.
لا شفاعة فى الحُكم:
ويوضح الرسول أبلغ وضوح أنه لا شفاعة فى الحكم، وأن القوانين الإسلامية يستوى فى الخضوع لها المَلِك المُتَوَّج والفقير البائس، فعندما سَرَقَت أمراة من بنى مخزوم وهم من أشراف قريش توقع قومها أن الرسول سيقيم عليها الحد، فتشفعوا للرسول بأسامة بن زيد، فلما تكلم أسامة مع الرسول فى ذلك صاح فيه الرسول: أَتَشْفَعُ فى حدٍ من حدود الله يا أسامة؟ إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف عاقبوه، وأَيْمُ الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها "رواه البخارى".
وقد تأثَّر القضاة المسلمون تأثُّراً عميقاً بهذا الإتجاه النبوى الكريم،ومن ذلك ما يذكره الكندى أنَّ "توبة بن نمر الحضرمى" لما وَلِىَ القضاء دعا زوجته وسألها: كيف علمت محبتى لك؟ قالت: جزاك الله من عشيرٍ خيراً، فقال توبة والآن وقد علمت ما بلينا به من أمر القضاء، فأنت طالق.
ولم تتركه الزوجة يكمل ما يريد أن يقول، فصاحت خائفةً من الطلاق، ولكنه قال لها اصبرى حتى تسمعى ما أريد أن أقول: أنت طالق إن كلمتنى فى خَصْمٍ أو تشفعت فى قضاء فَيُرْوَى أنها كانت ترفض أن تضع له الماء فى الدواةِ خَشْيَةَ أن يكون فى ذلك إشارةً إلى استعجالٍ فى قضاء.
وهكذا كان نهج الرسول فى القضاء تعليماً وتهذيباً للأجيال بدءاً من أسامة بن زيد ومعاذ بن جبل واستمراراً حتى الآن، ودائماً فى كل زمان ومكان، لأنه نهجٌ سليمٌ فى إرشاد من هدى الله ومن موهبة الرسول، وما أعظم النهج الذى يتخذ هذين أساساً له.
كلنا قضاة فيما نتولاه من أمور:
وبعد، أريد فى ختام هذا البحث أن أنبه إلى نقطة مهمة، هى أنَّ القضاء الذى نعنيه ليس هو القضاء فى المحاكم فقط، بل هو أوسع جداً من ذلك، فأنت أيها القارئ، وأنت أيتها القارئة كل منكما يصبح قاضياً فى ظروف متعددة، فالأب فى البيت قاض فى مشكلات البيت والأولاد، والأم قاضية كذلك بين أولادها، والرئيس فى المصلحة قاض بين مرءوسيه، وعمدة القرية قاض بين أهليها، ورجل الشرطة قاض يُثْبِت الحق وربمَّا قضى به، والمدرس قاضٍ بين تلاميذه، وبخاصة عند تقدير درجات الامتحان.
         فليحذر كل منا أن ينحرف فيما يباشره من قضاء.

العودة للصفحة الرئيسية